الاشتراك في النشرة الإخبارية
يمكننا مساعدتك

صندزق بريد 40044
رأس الخيمة
الأمارات العربية المتحدة
info@dar-noon.com

مدونات عودة

الشخصية الروائية

الإثنين, 25 مايو 2015

العرب سامر مختار [نُشر في 26/05/2015، العدد: 9929، ص(14)]

من خلال تناول كتاب “الشخصية الروائية.. مسبار الكشف والانطلاق” لأعمال روائية مهمة، يكشف لنا الناقد هيثم حسين في كل عمل روائي سمات الشخصية الروائية، وتحولاتها، واختلاف تكوينها، ومخاضها، وولادتها، الواقعية منها والخيالية.

يطرح الكتاب تساؤلات عديدة حول الشخصية الروائية؛ هل هناك شخصية روائية مختلقة من محض خيال؟ أم هي مرآة لشخصية موجودة في الواقع؟ وهل “كل امرئ هو مشروع شخصية روائية، وأن حياته هي مادة خصبة للرواية، يمكن الانطلاق منها لكشف بعض الألغاز وتفكيكها، من خلال سبر الأعماق، وتظهير الصور المخبوءة في عتمة الدواخل”؟

 

الناقد والروائي

 

يستدعي هيثم حسين في كتابه أعمالا روائية وروائيين كان لأعمالهم وتجربتهم في الكتابة الروائية أثر عميق في عالم الأدب والثقافة والحياة. يستدعيهم كما يستدعي الروائي شخصياته الروائية، وكأن هناك تزاوجا بين حس الناقد وحس الروائي، والذي نلمسه في لغة الكتابة النقدية عند هيثم حسين كأنه هو الراوي أو الحكّاء، وأبطاله هم الروائيون أمثال الروائي الأميركي وليام فوكنر، والكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، والأميركية الأفريقية توني موريسون، والصيني مو يان، والبيروفيّ ماريو بارغاس يوسا وكثيرين كانوا حاضرين مع أعمالهم وشخصياتهم الروائية التي مازالت تنبض في خيال كل من قرأ أعمالهم.

الكتاب مقسم إلى أربعة فصول غير متساوية في الحجم، وداخل كل فصل عناوين فرعية أضاء الكاتب من خلالها جوانب عديدة في سبر أغوار الشخصية الروائية.

لأن الشخصية الروائية تعد من أهم أسس البنيان الروائي، فإن تعاطي الروائيين مع شخصياتهم يختلف تبعا لكثير من الأمور

 

ولأنه “تعد الشخصية الروائيّة من أهمّ أسس البنيان الروائي، يختلف تعاطي الروائيين مع شخصياتهم تبعا لكثير من الأمور، في بعض الأحيان تفرض الشخصية نفسها على الروائي، وفي أحيان أخرى، تفترض محاور العمل الروائيّ شخصيّات بعينها، فيخلقها الروائيّ ليسدّ بها الفراغ الذي قد ينشأ، يحتاج إليها العمل، يرسمها بطريقة آلية، ويتخلى عنها بعد أن تؤدّي دورها المحدّد”.

ويتساءل الناقد كيف يبدع الروائيّ شخصياته؟ هل هي خياليّة محض أم فيها شيء من عالمه؟ وما هي مشاعره تجاهها؟ هل يحبها أم يكرهها أم يخفي مشاعره؟ وما هي مشاعره تجاه قسوة مصائرها؟

 

شخصيات مخترعة

 

في الكشف عن بعض أطوار الشخصية الروائية، يلقي الكاتب الضوء على تجربة الكاتب الأميركي وليام فوكنر والحائز على جائزة نوبل للآداب سنة 1950 والذي يعامل نفسه أحيانا كشخصية روائية منشطرة، فيقسّم نفسه إلى ثلاثة أشخاص، أصبح يعرفهم بالتراكم، واحد يفترض ويتوقّع، الثاني ينتقد، والثالث يحاول أن يتواصل معهما، والثلاثة يتعاركون فيما بينهم. إذ يرى حسين بأن الروائي يعتاد على التعامل مع شخصيّات يخترعها، قد يتورط في اللعبة التي يدير خيوطها بنفسه، فيعامل نفسه باعتباره شخصية لا مخترع شخصيات.

يشير الكتاب إلى أن لكل روائي علاقته الخاصة بشخصياته، وحتى بطريقة خلقها وتكوينها، “وتشكل بؤرة وشرارة في الوقت نفسه، لاتلازم حالة واحدة، بل تمرّ بتحولات كثيرة” ففي شخصية الدكتاتور في رواية “خريف البطريرك” لغابرييل غارسيا ماركيز، يؤكد أنه قرأ كلّ شيء وجده عن دكتاتوريات أميركا اللاتينية، وأنه تحدث إلى أناس كثيرين عاشوا الدكتاتورية، وأنه فعل ذلك لمدة عشر سنين، ثمّ بذل مجهودا لنسيان كل شيء كان قد سمعه أو قرأه، ليتمكن من الاختراع دون أن يستعمل أية حالة حصلت في الواقع. ونصل إلى نتيجة يحيلنا إليها الناقد بأن الشخصية لا تبقى نتاج المقروء والمسموع والمرئي دوما، بل تنجدل الخطوط المرئيّة واللامرئيّة لتصدير شخصية روائيّة.

في الكشف عن بعض أطوار الشخصية الروائية، يلقي الكاتب الضوء على تجربة الكاتب الأميركي وليام فوكنر والحائز على جائزة نوبل للآداب سنة 1950 والذي يعامل نفسه أحيانا كشخصية روائية منشطرة

في الفصل الثالث الذي جاء بعنوان “التداخل بين شخصية الروائيّ وشخصياته الروائية.. مقاربات في السر والمذكرات” تناول الكتاب أعمالا مهمة كانت بمثابة سير بعض الكتّاب، ومذكراتهم مع طرح سؤال، وهو “إلى أيّ حدّ سيتحلى الكاتب بالواقعية والشفافية لسرد ما كان، وهل يفسح المجال للذاكرة أن تقوده، أم أنه سيلجأ إلى الحذف والاصطفاء، بحيث بالإمكان أن يلجأ إلى منح الخيال فرصة لسدّ الثغرات التي يخلّفها الزمن في الذاكرة ؟ وهل يمكن للروائيّ أن يتلافى تأثره بشخصياته أو نقل شيء من ذاتيته إلى بنية شخصيّاته الروائية؟”.

ومن هذه التساؤلات يتناول الناقد أعمالا مهمة ككتاب “الملك ينحني ليقتل” للكاتبة الألمانية هيرتا موللر الحائزة على نوبل 2009. تحكي موللر من خلال هذا الكتاب عن محطات من سيرتها الذاتية في مختلف مراحل حياتها، حين كانت طفلة، وفي مرحلة الشباب، ثم حين بدأ بنشر كتبها.

أما عند الروائي جوزيه ساراماغو فكان هناك مزج بين الواقع والخيال في كتابه السيري “الذكريات الصغيرة” إذ يوضح الكاتب بأن الروائيّ قد يلجأ أثناء كتابة مذكراته إلى المزج بين الواقع والخيال، منطلقا من تأثره بعمله الأدبي السابق وتراكم آثار العمل عليه، بحيث يجعل منه مقيّدا بالخيال كما بالواقع.