الاشتراك في النشرة الإخبارية
يمكننا مساعدتك

صندزق بريد 40044
رأس الخيمة
الأمارات العربية المتحدة
info@dar-noon.com

مدونات عودة

«قهوة الجنرال» تشهد على مآسي السجن السوري

الأربعاء, 14 مايو 2014

تقوم رواية المخرج والممثل السوري غسان الجباعي الأولى «قهوة الجنرال» (دار نون)، على سيرة كاتبها الذي قضى تسع سنوات من حياته في السجن بتهمة الانتماء إلى حزب البعث الديموقراطي. تنطلق أحداث الرواية من لحظة اعتقال البطل، قبل أن تنثال الذكريات تحت عنوان «الجدار الرابع»، يتواصل «العرض المسرحي»، إذا صحّت التسمية، عشر سنوات في الزنزانة. فالمسْرَحَة هي اللعبة الكبرى في رواية «قهوة الجنرال»، وبها تتحول ذكرى الاعتقال إلى مشهد، كما تتحول الزنزانة إلى مسرح، والسجن إلى عرض يتواصل بمرارة أكبر في سجن تدمر.

 

 

كما يقتضي المسرح، للسجين الذي تتمحور حوله الرواية، شخصيةُ الممثل. وثمة سواه من الممثلين الذين شدّد المخرج على أوامره لهم بإطلاق النار على الجمهور، وبقنص الشجاعة، بينما يجعل مدير الإضاءة من المسرح قطعة سوداء من الليل، تزينها القناديل، وكلّ ذلك في سجن تدمر، حيث توقّع للعرض المسرحي صيحات الحرّاس المدوية المتواترة: قـ....ف (قفْ).

 

 

تبدأ «قهوة الجنرال» (فازت أخيراً بالجائزة الثانية ضمن جوائز المزرعة للرواية) بما يؤثث لمشهد مسرحي: مقعدان من حجر فوق جرف يطل على البحر، قضبان خرافية تقطع السماء إلى مربعات زرقاء صغيرة، نوارس، كهل، امرأة... ومن بعد: جبل وبحر وذاكرة رمل، ومقعدان من حجر وحشي عتيق غطّته الطحالب، ونخرته الرطوبة، ورغوة العواصف... وقد اختتمت الرواية بالسطور الأولى التي ابتدأتها: عوداً على بدء. يتسم النصّ بالغرائبية اذ تسيطر المشاهد المسرحية التي تملأها مونولوجات الراوي السجين حيث تجهر السيرية في الرواية، وكذلك مونولوجات المرأة التي تلتبس بالعاهرة والحبيبة. والحق أن الالتباس هو العلامة الفارقة التي تبلغ أحياناً حد الغموض في رواية لا تفتأ تحاول أن تتفلّت من جنسها، وليس ذلك فقط لأن صاحبها جنّسها كـ (نص روائي)، بل لنزوعها التجريبي الطاغي الذي يلغّم الشكل الروائي حيناً، ويفجّره حيناً، وهذا ما وصفه عبدالحميد عقار في كتابه «الرواية المغربية - 2000» بحدّة التمرد المعلن على القوالب والأشكال القائمة، فإذا بالغموض المبالغ فيه يكتنف الكتابة، ويكاد يتحول إلى ما يشبه الاستيحاء السوريالي، ولكن من دون سياق مقبول. وكنت قد صفنت بالتتقين، أي المبالغة في التنقية، هذا الصنيع المتمثل بملاعبة الأزمنة والضمائر، وتهشيم العمود السردي والتلاقح مع الفنون.

 

 

تنأى «قهوة الجنرال» عما اشتهر به التجريب من نتوء الغنوصية والنرجسية السيرية، ومن التهجين اللغوي أيضاً. لكنّ النص الروائي هذا يلح على لعبة وعي الرواية لذاتها، وعبر ذلك يبدو كيف يصنف النص نفسه رواية، فيتخلى عن القول بالنص الروائي. فالراوي ربيع يتساءل عمن يستطيع أن يستمتع برواية مملة مفككة، يختلط فيها الوهم بالحلم، واليومي المبتذل بالخالد الأزلي، رواية يفتقد نسيجها إلى النكهة والهوية والبناء، رواية سوريالية واقعية خرافية وحشية، بكماء، ملتزمة بالصمت، مبشرة بالحداد، الحقيقة فيها تغدو وقاحة وقسوة، والوهم يصبح كابوساً بلا نهايات. إنه كابوس بطول العمر، وعمر بلا معنى. إنها - الرواية - خيالات مشتتة وهذيانات صارخة.

 

 

لكأنّ الراوي ربيع بهذه اللعبة يسبق النقد الذي يصف الرواية على هذا النحو. وفي موقع آخر يتابع الراوي اللعبة فيؤكد علمه بأنه لا يليق برواية محترمة أو ذاكرة وقورة أن تنشغل بالحديث عن «الذبّان» و «الشحاطات» و «الخرق»... وهو يتساءل عن السبيل إلى نشر رواية لا تخاف من أصابع كاتبها، ولا يخاف صاحبها من أصابعه. أما السرّ فهو مجابهة الرواية للمحرم السياسي السوري القديم الجديد. ويتصل بذلك - من سيرة الرواية أيضاً - أن الراوي يكتب أنه كان ينوي أن يعنون الرواية بـ «جنرال الأسى»، وفاءً لأمه ونكاية بالخوف، علماً أنّ أمه هي من رمت الجنرال بهذا الاسم. لكنّ الأصدقاء نصحوا الراوي بالتبديل، ودور النشر رفضت هذا العنوان، بينما يردد الراوي ربيع: «إما أن تكون شاهداً حقيقياً على عصرك، وتقول ما تراه وتقتنع به، أو تصمت». لكنّ ربيع يأخذ بالنصيحة ويبدل العنوان ليصبح «قهوة الجنرال»، وكان سنده في ذلك أنّ الوطن بكامله قد ذاق قهوة الجنرالات منذ الانقلاب العسكري السوري الأول عام 1949، كما ذاقتها روسيا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا... وفي موقع آخر يعلن أنّ المؤسسة العسكرية واحدة في كل زمان ومكان.

 

 

مقابل هذه التقريرية النادرة في الرواية، تحاول اللغة أن تتّقد، فإذا بالجملة تتفتق، وقد تتدفق الجملة، فإذا بالناس خيالات تتناسل، تشهق وتزفر وتحلم وتتألم وتتعلم وتصيب وتخطئ وتجتهد وتقوى وتستقوي وتحب وتمكر وتكره. ولكن كل ذلك يبقى هيناً إزاء ما يحق للرواية أن تُدِلّ به من جنون المخيلة. ومن ذلك أنّ الراوي بات في الزنزانة يحلم أن يملأ جيوبه بالفئران الصغيرة العمياء، نكاية بالقطط، ولو أنه كان امرأة لاحتضنها وأرضعها وخبأها في ثيابه الداخلية، كي تكبر وتصبح لها رادارات وأجنحة لحمية رقيقة، لتطير وتنام مقلوبة، مثل الخفافيش، على جدران الخرائب والسجون والأماكن المنعزلة.

 

 

وفي موقع آخر نرى كيف تلعب المخيلة المجنونة بالسياسي، على العكس مما يسود ويؤذي الروايات المماثلة. فالراوي حين كان يؤدي الخدمة الإلزامية في مدرسة المشاة في المسلمية قرب حلب، يرى العلم متجمداً من البرد في سماء المدرسة، يرى كل شيء، يفهم كل شيء، لكنه لا يقول شيئاً. وهذا العلم الصامت فوق السارية، كان عند الاستقلال نقيباً بثلاث نجوم حمراء، تحولت فجأة إلى خضراء، ثم عاقبوه أيام الوحدة (السورية المصرية 1958) وكسّروه إلى ملازم أول بنجمتين... وهكذا يمضي العلم إلى أن يبلغ قطعة قماش متعددة الأشكال والألوان، ترفرف فوق قفص معدني كبير، يحده من الداخل حزب واحد وقطيع واحد وفساد...

 

 

لقد كان الأب هو أول محقق واجهه ربيع في حياته. وبعدما بتروا ساقه خوفاً من «الغنغرينا» في الجحيم/ السجن، خرج، ليصير مخرجاً وكاتباً مسرحياً. ولكن (هي) تقرر تحطيمه في الرواية، لأنه لم يكن بحاجة إليها، بينما تملص السيرة من الرواية، فيمضي صاحب السيرة في سبيل، وتمضي الرواية من التجريب إلى القراءة، في سبيل آخر.

 

المصدر